بعيدًا في قلب الصحراء الغربية، على مقربة من الحدود الليبية وعلى بُعد مئات الكيلومترات من النيل، تقع واحة تبدو كأنها تعيش على إيقاع زمن آخر. سيوة عالم من بساتين النخيل والبحيرات المالحة، ومن أطلال الطين والعيون الطبيعية، ومن ليالٍ مرصّعة بالنجوم وثقافة عريقة حافظت على لغتها وتقاليدها. إنها ليست وجهة للاستعجال، بل وجهة للإصغاء.

ملتقى التاريخ

ظلت سيوة آلاف السنين محطة حيوية على دروب القوافل الصحراوية، وقامت شهرتها في العالم القديم على وحي آمون الذي كان الملوك يقصدونه طلبًا للنبوءة. وأشهر زوّارها الإسكندر الأكبر، الذي عبر الصحراء عام 331 قبل الميلاد ليستشير الوحي، وتروي المصادر القديمة أنه استُقبل هناك بوصفه ابنًا لآمون.

ماذا ترى في سيوة؟

قلعة شالي

ما زالت مدينة شالي القديمة المحصّنة، التي تأسست في القرن الثالث عشر، تهيمن على قلب سيوة الحديثة. شُيّدت من «الكرشيف»، وهو مزيج محلي من الطين المشبع بالملح والصخر يجف حتى يصير صلبًا كالحجر، ما لم يهطل المطر. وقد بدأ انحدارها الطويل مع أمطار غزيرة نادرة في عشرينيات القرن الماضي، فهُجرت المدينة تدريجيًا. واليوم تقودك ممرات مرمّمة صعودًا بين أطلال تبدو كمنحوتات شكّلتها الرياح، حتى إطلالة علوية على النخيل والبحيرات والصحراء تبلغ ذروة سحرها عند الغروب.

معبد وحي آمون

فوق صخرة أغورمي، على مسافة قصيرة من البلدة، تقوم بقايا المعبد الذي يُقال إن الإسكندر استشار فيه الوحي. ويكفي أن تقف في موقعه المرتفع فوق النخيل، والواحة ممتدة أمامك، لتدرك لماذا عُدّ هذا المكان مقدسًا.

عين كليوباترا

هذه البركة الطبيعية المستديرة المبطّنة بالحجر هي أشهر أماكن الاستحمام في الواحة؛ مياهها صافية منعشة، وتحيط بها مقاهٍ تجعلها مكانًا وادعًا لقضاء الأصيل. أما إن كانت الملكة قد سبحت فيها حقًا، فذلك من نسج الرومانسية لا من سجلات التاريخ.

البحيرات المالحة

تبلغ ملوحة بحيرات سيوة الفيروزية حدًا يجعلك تطفو على سطحها بلا عناء. ويصنع التباين بين قشرة الملح البيضاء والماء الأزرق والصحراء الذهبية مشهدًا استثنائيًا. احرص على الاغتسال جيدًا بالماء العذب بعد السباحة، وتجنّبها إن كانت لديك جروح أو خدوش.

جبل الموتى

تلٌّ مخروطي تتخلله مقابر منحوتة في الصخر يعود معظمها إلى العصر المتأخر والعصرين البطلمي والروماني. وأشهرها مقبرة «سي آمون» التي تحتفظ بمناظر ملونة بديعة تمتزج فيها التقاليد الفنية المصرية واليونانية.

بحر الرمال الأعظم

خلف الواحة يبدأ واحد من أكبر بحار الكثبان الرملية على وجه الأرض. وتمنحك رحلة عصرية بسيارة دفع رباعي مع سائق محلي خبير عبورًا للكثبان، وتزلجًا على الرمال، وغطسة في إحدى العيون الصحراوية، وغروبًا يلفّه سكون نادر.

نكهات سيوة

تشتهر سيوة بتمورها وزيتونها، التي تنمو في بساتين ترويها مئات العيون الطبيعية. وتمثّل التمور السيوية وزيت الزيتون والمشغولات اليدوية، من المنسوجات المطرّزة إلى السلال والحُليّ الفضية، هدايا ذات معنى تعود بالنفع المباشر على الأسر المحلية.

الثقافة السيوية وآداب الزيارة

ينتمي أهل سيوة إلى الثقافة الأمازيغية، ولهم لغتهم الخاصة «السيوية» وعادات تختلف كثيرًا عن عادات وادي النيل. والمجتمع هناك محافظ ومتماسك، يستقبل الزائر المحترم بدفء صادق.

  • ارتدِ ملابس محتشمة في البلدة تغطي الكتفين والركبتين.
  • استأذن دائمًا قبل تصوير الأشخاص، وامتنع عن تصوير النساء.
  • مظاهر التودد العلني والمشروبات الكحولية لا تليق بطبيعة المكان.
  • اشترِ من المنتجين المحليين، واستعن بمرشدين وسائقين من أهل الواحة، ولا تترك خلفك أثرًا في الصحراء.
  • احمل جواز سفرك دائمًا، فنقاط التفتيش على الطرق الصحراوية أمر معتاد.

متى تزورها؟

أفضل الشهور من أكتوبر إلى مارس، حين يكون النهار دافئًا والليل منعشًا، وقد يشتد برده أحيانًا حتى يدعوك إلى التحلّق حول النار. أما الصيف فشديد الحرارة ويُستحسن تجنّبه.

وإن كان سكون سيوة يناديك، يسعد فريق جولدن سكاراب بتصميم برنامج هادئ الإيقاع هناك، مع مرشدين محليين موثوقين وإقامة تلائم ذوقك.